( يفتدونها بأبنائهم )
يحكى أن جيشـًا قدم ليغزو بلدةً ، فوقف على أطرافها وبعث جواسيسه ؛ ليستطلعوا أخبارها ..
ماذا وجدوا ..؟
طفلاً يبكي بحرقة ..
سألوه : ما يبكيك ؟
قال : اعتدتُ أن اصطادَ بسهمي طائرين في آن واحد ، واليوم أطلقته فلم يصب إلا واحدًا ونجا الآخر .. فاستمر يبكي ويردد:
كيف نجا ؟ كيف نجا ..؟ كيف لم أصبه ..؟
عاد الجواسيس إلى قائد الجيش وحكوا له قصة الطفل ، فقال : إذًا ، نعود من حيثُ أتينا ، فبلدة يبكي أطفالها على أنهم لم يصيبوا طائرين بسهم واحدٍ لن نستطيع دخولها ..
فعادوا ..
وبعد سنين عاد نفس الجيش ، فأرسل عيونَه ، فوجدوا رجلاً عجوزًا ، ومعه غلامٌ ، فأمسكوا به وقالوا : أعطنا أسرار بلدتك وإلا قتلناك ..!
قال لهم : لا بأس ، لكن بشرط ..!
ما هو ؟
قال : اقتلوا هذا الغلام فإني أخاف إن أعطيتكم الأسرار أن يشي بي إلى حاكمِ بلدتي فيقتلني ..
قالوا : لك ما تريد ، فقتلوا الغلام ، وقالوا : هات ما عندك ..
قال العجوزُ : أتدرون مَنْ الذي قتلتموه ..؟
إنه ابني ، خشيت أن تقتلوني قبله ، فتنتزعوا منه ما تريدون بالقوة ..
تركوه وهو يحتضن فلذة كبده المقتول ، وعادوا إلى قائدهم ، وقصوا عليه ما حدث ..
قال ليس لنا إلا أن نعود : نعود ، فبلدة من أجلها يضحي الآباءُ بالأبناءِ لن نستطيعَ أن ندخلها ..
فعادوا ..
وبعد سنين أتوا ..
انظروا إلى المحاولات المتكررة من هؤلاء الغزاة ، لم ييأسوا ؛ لأنهم يعلمون أن الأحوال ستتبدل ..
وقفوا خارج البلدة ، فأرسلوا الجواسيس من جديد ..
فما وجدوا غيرَ السكارى يترنحون على أنغام المعازف ، والأوكار المعدة للدعارة تفتحُ أبوابها للراغبين ..
عادوا ، وأخبروا قائدهم فقال : الآن الآن نستطيع أن ندخلها بسلام ..
فدخلوها ..!
لعمري إننا – أيها الأحبة - لم نكن مهيئين في أي عصرٍ من عصورنا الماضية لاستقبال غزو أعدائنا كهذا العصر ..!
نسأل الله أن يردَنا إلى الجادةِ الصحيحةِ ، وأن يبدلَ ضعفنا قوةً ، وهواننا عزةً ومنعة ، فهو القادر على كل شيءٍ .. تركي بن خيالله المعمري